المقريزي
132
المقفى الكبير
الخطرات ، والنزوة بعد النزوات ! إن بعثتكم إلى ثغوركم عللتم وخنتم ، وإن أمنتم أرجفتم ، وإن خفتم نافقتم . لا تذكرون حسنة ولا تشكرون نعمة . هل استحقّكم ناكث أو استغواكم غاو ، أو استنفركم عاص ، أو استنصركم ظالم ، أو استعضدكم خالع إلّا تبعتموه وواسيتموه ونصرتموه ورضيتموه . يا أهل العراق ، هل شغب شاغب ، أو نهب ناعب ، أو زفر زافر ، إلّا كنتم أتباعه وأنصاره ؟ يا أهل العراق ، ألم تنهكم المواعظ ؟ ألم تزجركم الوقائع ؟ ( ثمّ التفت إلى أهل الشام فقال : ) يا أهل الشام ، إنّما أنا لكم كالظليم الرامح عن فراخه ينفي عنها المدر ، ويباعد عنها الحجر ، ويكنّها من المطر ، ويحميها من الضباب ، ويحرسها من الذّئاب . يا أهل الشام ، أنتم الجنّة والرداء ، وأنتم العدّة والحذاء . [ بعض أخباره ] وخرج يوما فإذا هو بأعرابيّ في زرع ، فقال له : ممّن أنت ؟ قال : من أهل عثمان . قال : فمن أيّ القبائل ؟ قال : من الأزد . قال : كيف علمك بالزرع . قال : إنّي لأعلم من ذلك علما . قال : فأيّ الزرع خير ؟ قال : ما غلظ قصبه واعتمّ نبته ، وعظمت حبّته . قال : فأيّ العنب خير ؟ قال : ما غلظ عموده واخضرّ عوده وعظم عنقوده . قال : فما خير التمر ؟ قال : ما غلظ لحاؤه ، ودقّ نواؤه ، ورقّ سماؤه . * * * وقال لرجل من الخوارج : أجمعت القرآن ؟ قال : أمتفرّقا كان فأجمعه ؟ قال : أتقرؤه ظاهرا ؟ قال : بل أقرؤه وأنا انظر إليه . قال : أتحفظه ؟ قال : أخشيت فراره فأحفظه ؟ قال : ما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك ؟ قال : لعنة اللّه ولعنك معه ! قال : إنّك مقتول ، فكيف تلقى اللّه ؟ قال : ألقاه بعملي ، وتلقاه بدمي . * * * وقال مالك بن دينار : غدوت إلى الجمعة فجلست قريبا من المنبر ، فصعد الحجّاج المنبر ، ثمّ قال : امرءا زوّر عمله ، امرءا حاسب نفسه ، امرءا فكّر فيما يقرؤه في صحيفته ويراه في ميزانه . امرءا كان عند قلبه زاجرا وعند همّه ذاكرا ، امرءا أخذ بعنان عمله كما يأخذ الرجل بخطام جمله . فإن قاده إلى طاعة اللّه تبعه ، وإن قاده إلى معصية اللّه كفّه . وقال الحجّاج لمعلّم ولده : علّم ولدي السّباحة قبل الكتابة ، فإنّهم يصيبون من يكتب عنهم ، ولا يصيبون من يسبح عنهم . * * * وقال لابن القريّة : ما زالت الحكماء تكره المزاح وتنهى عنه . فقال : المزاح من أدنى منزلته إلى أقصاها عشرة أبواب : أوّله فرح وآخره ترح ، والمراح والمزاح نقائض السفهاء كما الشعر نقائض الشعراء . والمزاح يوغر صدر الصديق ، وينفّر الرفيق عن الرفيق . والمزاح يبدي السرائر لأنّه يظهر المغاير ، والمزاح يسقط المروءة ويبدي الخنا ، لم يجرّ